الرئيسية
مقالات واراء
محمد أبوعريضة
الإعلام أكبر أداة لاغتصاب العقول وتشويه وكيّْ الوعي، وتحويل الناس إلى قطعان تمشي إلى المسالخ مستكينة كالخراف.
ما رأيكم بهذا المعنى للإعلام، كما جاء في الصحافة الفرنسية قبل مئتي عام؟
حينما هرب نابليون من منفاه في جزيرة "ألبا"، قالت الصحف الفرنسية: الوحش يهرب من ألبا.
حينما اقترب من فرنسا، قالت الصحف: نابليون يهرب إلى فرنسا.
وحينما دخل فرنسا: الامبراطور يدخل فرنسا.
وحينما اعتلى العرش من جديد قالت الصحف: الامبراطور يعتلي عرشه.
على ما سبق من أخبار متناقضة خلال فترة وجيزة صفق الناس أولًا حينما هرب نابليون وقالت الصحف إن الوحش هرب من منفاه، لأن هذا يعني أنه ما زال وحشًا، ولا بد من قتل الوحش، رحب الفرنسيون بوصف نابليون بالوحش.
لكن حينما قالت الصحف إن نابليون هرب من منفاه إلى فرنسا خافت الجماهير، وبدأت تستعد لعودة نابليون، وحينما دخل فرنسا، صفقت لعودة الامبراطور، وحينما اعتلى عرشه نامت في سكينة.
لعل القصة المشهورة التي وقعت في الهند خير مثال على كيفية اغتصاب العقول:
ﻓﻲ عاﺻﻤﺔ الهند ﻧﻴﻮﺩﻟﻬﻲ ﻛﺎﻥ ﺳﻔﻴﺮ ﺑﺮﻳﻄﺎﻧﻴﺎ ﻳﻤﺮ ﺑﺴﻴﺎﺭﺗﻪ ﻣﻊ ﻗﻨﺼﻞ ﻣﻤﻠﻜﺘﺔ، ﻭﻓﺠﺄﺓ ﺭﺃﻯ ﺷﺎﺑﺎ ﻫﻨﺪﻳﺎً ﺟﺎﻣﻌﻴﺎً ﻳﺮﻛﻞ ﺑﻘﺮﺓ ..
ﻓﺄﻣﺮ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺳﺎﺋﻘﻪ بأن ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺑﺴﺮﻋﺔ ﻭﺗﺮﺟّﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺭﺓ ﻣُﺴﺮﻋﺎ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ " ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ " ﻳﺪﻓﻊ ﻋﻨﻬﺎ ذلك ﺍﻟﺸﺎﺏ ﺻﺎﺭﺧﺎً ﻓﻲ ﻭﺟﻬﻪ ﻭﻳﻤﺴّﺢ ﻋﻠﻰ ﺟﺴﺪﻫﺎ ﻃﻠﺒﺎ للصفح ﻭﺍﻟﻤﻐﻔﺮﺓ ﻭﺳﻂ ﺩﻫﺸﺔ ﺍﻟﻤﺎﺭﺓ ﺍﻟﺬﻳﻦ اﺟﺘﻤﻌﻮﺍ ﺑﻌﺪ ﺳﻤﺎﻉ ﺻﺮﺍﺧﻪ ﻭﻭﺳﻂ ﺫﻫﻮﻝ ﺍﻟﺤﺎﺿﺮﻳﻦ.
ﺍﻏﺘﺴﻞ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﺑﺒﻮﻝ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ ﻭﻣﺴﺢ ﺑﻪ ﻭﺟﻬﻪ ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺎﺭﺓ إﻻ ﺃﻥ سجدوا ﺗﻘﺪﻳﺮﺍ للبقرة التي ﺳﺠﺪ ﻟﻪ ﺍﻟﻐﺮﻳﺐ.
ﻭﻗﺪ ﺍﺗﻮﺍ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺑﺎﻟﺸﺎﺏ ﺍﻟﺬﻱ ﺭﻛﻠﻬﺎ ﻟﻴﺴﺤﻘﻮﻩ أﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﻘﺮﺓ ﺍﻧﺘﻘﺎﻣﺎ ﻟﻘﺪﺱ ﻣﻘﺎﻣﻬﺎ ﻭﺭﻓﻌﺔ ﺟﻼﻟﻬﺎ.
ﻭﺑﺮﺑﻄﺘﻪ ﻭﻗﻤﻴﺼﻪ ﺍﻟﻤُﺒﻠﻞ ﺑﺎﻟﺒﻮﻝ ﻭﺷﻌﺮﻩ ﺍﻟﻤﻨﺜﻮﺭ ﻋﺎﺩ ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ ﻟﻴﺮﻛﺐ ﺳﻴﺎﺭﺓ ﺍﻟﺴﻔﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﻘﻨﺼﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﺎﺩﺭﻩ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ﻋﻦ ﺳﺒﺐ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﻭﻫﻞ ﻫﻮ ﻣﻘﺘﻨﻊ ﺣﻘﺎ ﺑﻌﻘﻴﺪﺓ ﻋﺒﺎﺩﺓ ﺍﻟﺒﻘﺮ؟؟
فأجابه ﺍﻟﺴﻔﻴﺮ :
ﺭﻛﻠﺔ ﺍﻟﺸﺎﺏ ﻟﻠﺒﻘﺮﺓ ﻫﻲ ﺻﺤﻮﺓ ﻭﺭﻛﻠﺔ ﻟﻠﻌﻘﻴﺪﺓ الهشة ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺮﻳﺪﻫﺎ أن تستمر.
ﻭﻟﻮ ﺳﻤﺤﻨﺎ ﻟﻠﻬﻨﻮﺩ ﺑﺮﻛﻞ ﺍﻟﻌﻘﺎﺋﺪ ﻟﺘﻘﺪﻣﺖ ﺍﻟﻬﻨﺪ ﺧﻤﺴﻴﻦ ﻋﺎﻣﺎ ﺇﻟﻰ الأمام ﻭﺣﻴﻨﻬﺎ ﺳﻨﺨﺴﺮ ﻭﺟﻮﺩﻧﺎ ﻭﻣﺼﺎﻟﺤﻨﺎ ﺍﻟﺤﻴﻮﻳﺔ.
ﻓﻮﺍﺟﺒﻨﺎ ﺍﻟﻮﻇﻴﻔﻲ ﻫﻨﺎ ﺍﻥ ﻻ ﻧﺴﻤﺢ ﺑﺬﻟﻚ ﺃﺑﺪﺍ ﻷﻧﻨﺎ ﻧُﺪﺭﻙ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﻭﺍﻟﺨﺮﺍﻓﺔ والتعصب الديني والمذهبي ﻭﺳﻔﺎﻫﺔ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ ﻫﻲ ﺟﻴﻮﺷﻨﺎ ﻓﻲ ﺗﺴﺨﻴﺮ ﺍلمجتمعات.
هذا هو فن اغتصاب العقول!
هل عرفنا لماذا الغرب يدعم كل مشروع ديني متطرف وانفصالي وطائفي في عالمنا العربي والإسلامي؟
أما اليوم في عصر الاغتصاب الرقمي؛ حتى نفهم كيف تجري عملية الاغتصاب، فالأمر يحتاج اجتهادات أخرى، وإعمال للفكر بطرائق مختلفة، وبحث أكثر عمقًا، فالأدوات السابقة في التحليل والفهم لم تعد قادرة على إدراك ما يجري. وأقتبس ما كتبه الصديق رائد سمور لتوضيح الفكرة أكثر:
غرامشي تحدث عن هيمنة ثقافية تُمارسها النخب من خلال مؤسسات التعليم، الدين، والإعلام، تُقنع بها الطبقات الاجتماعية بالأمر الواقع باعتباره طبيعيًا.
أما الهيمنة الخوارزمية، فتُمارَس بلا مؤسسة، بلا وجه معروف، وبصمت. إنها تُقنعك بأن ما تراه وتظنه "اختيارك" وهو في الحقيقة نتيجة برمجة مسبقة لتوجيهك نحو خيارات محددة.